محمد بن جرير الطبري
414
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
وأما قوله : " من بعد ميثاقه " ، فإنه يعني : من بعد توَثُّق الله فيه ( 1 ) ، بأخذ عهوده بالوفاء له ، بما عهد إليهم في ذلك ( 2 ) . غيرَ أن التوثق مصدر من قولك : توثقت من فلان تَوَثُّقًا ، والميثاقُ اسمٌ منه . والهاء في الميثاق عائدة على اسمِ الله . وقد يدخل في حكم هذه الآية كلّ من كان بالصفة التي وصف الله بها هؤلاء الفاسقين من المنافقين والكفار ، في نقض العهد وقطع الرّحم والإفساد في الأرض . 572 - كما حدثنا بشر بن معاذ ، قال : حدثنا يزيد ، عن سعيد ، عن قتادة ، قوله : " الذين ينقضُون عهدَ الله من بعد ميثاقه " ، فإياكم ونقضَ هذا الميثاق ، فإن الله قد كره نقضَه وأوعدَ فيه ، وقدّم فيه في آي القرآن حُجة وموعظة ونصيحة ، وإنا لا نعلم الله جل ذكره أوعدَ في ذنب ما أوعد في نقض الميثاق . فمن أعطى عهدَ الله وميثاقه من ثمرَة قلبه فَلْيَفِ به لله ( 3 ) . 573 - حدثني المثنى ، قال : حدثنا إسحاق ، قال : حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع ، في قوله : " الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويَقطعون ما أمرَ الله به أن يُوصَل ويفسدون في الأرض أولئك همُ الخاسرون " ، فهي ستُّ خلال في أهل النفاق ، إذا كانت لهم الظَّهَرَة ، ( 4 ) أظهرُوا هذه الخلال الست
--> ( 1 ) في المطبوعة : " منه " مكان " فيه " . ( 2 ) في المطبوعة والمخطوطة " بما عهد إليه " ، وهو خطأ بين . ( 3 ) الأثر : 572 - في الدر المنثور 1 : 42 ، والشوكاني 1 : 45 . وقوله " من ثمرة قلبه " ، أي خالص قلبه ، مأخوذ من ثمرة الشجرة ، لأنها خلاصتها وأطيب ما فيها . وفي حديث المبايعة : " فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه " ، أي خالص عهده وهو حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ، في المسند : 6501 ، 6503 ، 6793 . ويقال : خصني فلان بثمرة قلبه : أي خالص مودته . ( 4 ) الظهرة ( بثلاث فتحات ) : الكثرة ، وأراد بها ظهور الأمر والغلبة . ولو أسكنت الهاء ، كان صوابًا ، من قولهم : ظهرت على فلان : إذا علوته وغلبته .